السيد الطباطبائي
125
تفسير الميزان
ظاهرا زادت نقصا وخمودا في قوى المسلمين الروحية العامة ودرجة إيمانهم وسجاياهم الجميلة النفسانية المعنوية باطنا حتى استقرت بعد غزوه بدر - بقليل أو كثير - على خمس ما كانت عليه قبلها كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى في الآيات التالية : ( ما كان لنبي ان يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) الآيات . وثانيا : ان الظاهر أن الآيتين نزلتا دفعة واحدة فإنهما وان كانتا تخبران عن حال المؤمنين في زمانين مختلفين كما يشير إليه قوله في الآية الثانية : ( الان خفف الله عنكم ) لكن الآيتين تقيسان كما مر طبع قوى المؤمنين الروحية في زمانين مختلفين ، وسياق الثانية بالنظر إلى هذا القياس بحيث لا يستقل عن الأولى ، ووجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب ان ينزل الآية المتضمنة لأحدهما في زمان غير زمان نزول الأخرى المتضمنة للاخر . نعم لو كانت الآيتان مقصورتين في بيان الحكم التكليفي فحسب كان الظاهر نزول الثانية بعد زمان نزلت فيه الأولى . وثالثا : ان ظاهر قوله تعالى : ( الان خفف الله عنكم ) كما قيل كون الآيتين مسوقتين لبيان الحكم التكليفي لان التخفيف لا يكون الا بعد التكليف فاللفظ لفظ الخبر والمراد به الامر ومحصل المراد في الآية الأولى : ليثبت الواحد منكم للعشرة من الكفار وفي الآية الثانية : الان خفف الله في امره فليثبت الواحد منكم للاثنين من الكفار . واختصاص التخفيف بباب التكاليف - كما قيل - وان أمكنت المناقشة فيه لكن ظهور الآيتين في وجود حكمين مختلفين مترتبين بحسب الزمان أحدهما أخف من الاخر لا ينبغي الارتياب فيه . ورابعا : ان ظاهر التعليل في الآية الأولى بالفقه ، وفي الآية الثانية بالصبر مع تقييد المقاتل من المؤمنين في الآيتين جميعا بالصبر يدل على أن الصبر يرجح الواحد في قوة الروح على مثليه ، والفقه يرجحه فيها على خمسة أمثاله فإذا اجتمعا في واحد يرجح على عشرة أمثال نفسه ، والصبر لا يفارق الفقه وان جاز العكس . وخامسا : ان الصبر واجب في القتال على أي حال .